فصل: تفسير الآيات (30- 33):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وقد منع ابنُ عطية كونَ {أَرْداكم} حالًا لعدمِ وجودِ قد وقد تقدَّم الخلافُ في ذلك.
{فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24)}.
قوله: {يَسْتَعْتِبُواْ}: العامَّةُ على فَتْحِ الياءِ وكسرِ التاءِ الثانيةِ مبنيًّا للفاعلِ.
{فَمَا هُم مِّنَ المعتبين} بفتح التاء اسمَ مفعول، ومعناه: وإنْ طَلبوا العُتْبى وهي الرِّضا فما هم مِمَّنْ يُعْطاها. وقيل: المعنى: وإنْ طَلَبوا زوالَ ما يُعْتَبُون فيه فما هم من المُجابين إلى إزالةِ العَتَبِ.
وأصلُ العَتَبِ: المكانُ النائِي بنازِلَةٍ، ومنه قيل لأُسْكُفَّةِ الباب والمِرْقاة: عَتَبة، ويُعَبَّر بالعَتَبِ عن الغِلْظَة التي يَجدها الإِنسانُ في صدرِه على صاحبِه. وعَتَبْتُ فلانًا: أبرزْتُ له الغِلْظَة. وأَعْتَبْتُه: أَزَلْتُ عُتْباه كأَشْكَيْتُه. وقيل: حَمَلْتُه على العَتَب.
وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد {وإن يُسْتَعْتَبوا} مبنيًّا للمفعولِ.
{فَمَا هُم مِّنَ المعتبين} اسمَ فاعلٍ بمعنى: إنْ يُطْلَبْ منهم أن يُرْضُوا فما هم فاعِلون ذلك، لأنهم فارَقوا دارَ التكليف. وقيل معناه: إنْ يُطْلَبْ ما لا يُعْتَبُون عليه فما هم مِمَّنْ يُزيل العُتْبى. وقال أبو ذؤْيبٍ:
أَمِنَ المَنُونِ ورَيْبِه تَتَوَجَّعُ ** والدهرُ ليسَ بمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ

{وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25)}.
قوله: {وَقَيَّضْنَا}: أصلُ التَّقْييضِ التيسيرُ والتهيئَةُ. قَيَّضْتُه له لكذا: هَيَّأْتُه ويَسَّرْتُه. وهذان ثوبان قَيْضان أي: كلٌّ منهما مكافِئٌ للآخَر في الثمن. والمقايَضَةُ: المعاوَضَةُ.
وقوله: {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا} [الزخرف: 36] أي: نُسَهِّلْ ليَسْتوليَ عليه استيلاءَ القَيْضِ على البَيْض. والقَيْضُ في الأصلِ: قِشْرُ البيضِ الأعلى.
قوله: {في أُمَمٍ} في محلِّ نصبٍ على الحالِ من الضمير في {عليهم} والمعنى: كائنين في جملةِ أمم، وهذا كقولِه:
إنْ تَكُ عَنْ أَحْسَنِ الصَّنيعةِ مَأْ ** فُوْكًا ففي آخَرين قد أَفِكُوا

أي: في جملة قومٍ آخرين. وقيل: إن في بمعنى مع.
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26)}.
قوله: {والغوا}: العامَّةُ على فتحِ الغين. وهي تحتملُ وجهين، أحدُهما: أَنْ يكون مِنْ لَغِي بالكسر يَلْغَى. وفيها معنيان، أحدُهما: مِنْ لَغِيَ إذا تكلَّم باللَّغْوِ، وهو ما لا فائدةَ فيه. والثاني: أنه مِنْ لَغِي بكذا، أي: رَمى به فتكونُ في بمعنى الباء أي: ارْمُوا به وانبِذُوه. والثاني من الوجهين الأوَّلين: أَنْ تكونَ مِنْ لَغا بالفتح يَلْغَى بالفتحِ أيضًا، حكاه الأخفش، وكان قياسُه الضمَّ كغزا يَغْزو، ولكنه فُتِح لأجلِ حَرْفِ الحلقِ. وقرأ قتادة وأبو حيوة وأبو السَّمَّالِ والزعفراني وابن أبي إسحاق وعيسى بضم الغين، مِنْ لَغا بالفتحِ يَلْغُو كدَعا يَدْعُو. وفي الحديث: «فقد لَغَوْتَ»، وهذا موافِقٌ لقراءةِ غيرِ الجمهور.
{ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (28)}.
قوله: {ذَلِكَ}: فيه وجهان، أحدهما: أنه مبتدأٌ و{جزاءُ} خبره. والثاني: أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي: الأمرُ ذلك و{جَزَاءُ أَعْدَاءِ الله النار} جملةٌ مستقلةٌ مبيِّنَةٌ للجملةِ قبلَها.
قوله: {النارُ} فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنها بدلٌ مِنْ {جزاء}، وفيه نظرٌ؛ إذ البدلُ يَحُلُّ مَحَلَّ المبدلِ منه، فيصيرُ التقديرُ: ذلك النار. الثاني: أنها خبرُ مبتدأ مضمرٍ. الثالث: أنها مبتدأٌ، و{لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ} الخبر. و{دارُ} يجوز ارتفاعُها بالفاعليَّة أو الابتداءِ.
وقوله: {فِيهَا دَارُ الخُلْدِ} يقتضي أَنْ تكونَ {دارُ الخلد} غيرَ النارِ، وليس الأمرُ كذلك، بل النارُ هي نفسُ دارِ الخُلْدِ. وأُجيب عن ذلك: بأنَّه قد يُجْعَلُ الشيءُ ظَرْفًا لنفسِه باعتبارِ متعلَّقِه على سبيل المبالغةِ، كأنَّ ذلك المتعلَّقَ صار مستقَرًا له، وهو أبلغُ مِنْ نسبةِ المتعلَّقِ إليه على سبيلِ الإِخبارِ به عنه، ومثلُه قولُه:
وفي اللَّهِ إنْ لم يُنْصِفُوا حَكَمٌ عَدْلُ

وقوله تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]، والرسولُ عليه السلام هو نفسُ الأُسْوةِ. كذا أجابوا. وفيه نظرٌ؛ إذ الظاهرُ- وهو معنىً صحيحٌ منقولٌ- أنَّ في النار دارًا تُسَمَّى دارَ الخلدِ، والنارُ مُحيطةٌ بها.
قوله: {جَزاءً} في نصبِه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّه منصوبٌ بفعلٍ مقدرٍ، وهو مصدرٌ مؤكدٌ أي: يُجْزَوْن جزاءَ. الثاني: أَنْ يكونَ منصوبًا بالمصدرِ الذي قبلَه، وهو {جَزَاءُ أَعْدَاءِ الله}، والمصدرُ يُنْصَبُ بمثلِه كقوله: {فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً} [الإسراء: 63]. الثالث: أَنْ يَنْتَصِبَ على أنه مصدرٌ واقعٌ موقعَ الحالِ، و{بما} متعلِّقٌ ب {جَزاء} الثاني، إنْ لم يكنْ مؤكِّدًا، وبالأول إن كان، و{بآياتِنا} متعلِّقٌ ب {يَجْحَدون}.
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (29)} وتقدَّم الخلافُ في {أَرِنا} وفي نونِ {اللذَيْنِ}. قال الخليل: إذا قلتَ: أَرِني ثوبَك بالكسرِ فمعناه بَصِّرْنِيْه، وبالسكون أَعْطِنيه. وقال الزمخشري: أي: بما كانوا يَلْغَوْن، فذكر الجحودَ؛ لأنه سببُ اللغْوِ انتهى. يعني أنه مِنْ بابِ إقامةِ السببِ مُقامَ المُسَبَّبِ وهو مجازٌ سائغٌ. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

من لطائف القشيري في الآية:
قال عليه الرحمة:
{وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} إذا أراد الله بعَبْدٍ خيرًا قَيَّضَ له قرناءَ خير يُعِينونه على الطاعات، ويَحْمِلونه عليها، ويدعونه إليها. وإذا كانوا إخوانَ سوءٍ حملوه على المخالفات، ودَعَوْه إليها ومن ذلك الشيطانُ؛ فأنهُ مُقَيَّضٌ مُسَلَّطٌ على الإنسان يوسوس إليه بالمخالفات. وشرٌّ من ذلك النَّفْسُ. فإنها بئس القرين!! فهي تدعو العبدَ- اليومَ- إلى ما فيه هلاكه، وتشهد عيه غدًا بفعل الزلَّة. فالنفسُ- وشرُّ قرينٍ للمرءِ نفسهُ- والشياطينُ وشياطينُ الإنْسِ.. كلها تُزيِّن لهم {مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} من طول الأمل، {وَمَا خَلْفَهُمْ} من نسيان الزَّلَلِ، والتسويف في التوبة، والتقصير في الطاعة.
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26)} استولى على قلوبهم الجَحْدُ والإنكارُ، ودام على العداوة فيهم الإصرارُ؛ فاحتالوا بكل وجهٍ، وتواصَوْا فيما بينهم بألا يستمعوا لهذا القرآن لأنه يغلب القلوب، ويسلب العقول، وكل مَنْ استمع إليه صَبَا إليه.
وقالوا: إذا أَخّذَ محمدٌ في القرآن فأَكْثِرُوا عند قراءته اللَّغوَ واللغطَ حتى يقع في السهو الغَلَط.
ولم يعلموا أن الذي نُوِّرَ قلبُه بالإيمان، وأُيِّدَ بالفهم، وأُمِّدَ بالنصرة، وكوشف بسماع السِّرِّ من الغيب هو الذي يسمع ويؤمن. والذي هو في ظلمات جهله لا يدخل الإيمانُ قلبَه، ولا يباشر السماعُ سِرَّه.
{فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (27)} اليومَ بإدامة الحرمان الذي هو الفراق، وغدًا بالتخليد في النار التي هي الاحتراق.
{ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (28)} لهم فيها الخزي والهوان بلا انقطاع ولا انصرام.
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (29)} من الجنِّ إبليس. ومن الإنس قابيل من آدم فهو أول منْ سَنَّ المعصية حين قتل أخاه.
{نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا}؛ هذه الإرادة وهذا التمني زيادة في عقوبتهم أيضًا؛ لأنهم يتأذون بتلك الإرادة وهذا التمني؛ فهم يجدون أنه لا نَفْعَ لهم من ذلك إذ لن يُجَبوا في شيء، ولن يُمْنَعَ عنهم العذاب.
ويفيد هذا الإخبار عنهم عن وقوع التبَرِّي فيما بينهم، فبعضهم يتبرأ من بعض، كما يفيد بأن الندمَ في غير وقته لا جدوى منه. اهـ.

.تفسير الآيات (30- 33):

قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)}.

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما ذكر الأعداء وقرناءهم نذارة، أتبعه ذكر الأولياء وأوداءهم بشارة، فقال مبينًا لحالهم القابل للإعراض وثمراته جوابًا لمن يسأل عنهم مؤكدًا لأجل إنكار المعاندين: {إن الذين} قال أبو حيان: قال ابن عباس- رضى الله عنهما: نزلت في الصديق رضى الله عنه وأرضاه.
{قالوا} أي قولًا حقيقيًا مذعنين به بالجنان وناطقين باللسان تصديقًا لداعي الله في دار الدنيا متذللين حيث ينفع الذل جامعين بين الأسّ الذي هو المعرفة والاعتقاد، والبناء الذي هو العمل الصالح بالقول والفعل على السداد، فإن أصل الكمالات النفسانية يقين مصلح وعمل صالح، تعرف الحق لذاته والخير لتعمل له ورأس المعارف اليقينية ورئيسها معرفة الله، ورأس الأعمال الصالحة الاستقامة على حد الاعتدال من غير ميل إلى طرف إفراط أو تفريط: {ربنا} أي المحسن إلينا {الله} المختص بالجلال والإكرام وحده لا شريك له.
ولما كان الثبات على التوحيد ومصححاته إلى الممات أمرًا في علو رتبته لا يرام إلا بتوفيق ذي الجلال والإكرام، أشار إليه بأداة التراخي فقال: {ثم استقاموا} طلبوا وأوجدوا القوام بالإيمان بجميع الرسل وجميع الكتب ولم يشركوا به صنمًا ولا ثنًا ولا آدميًا ولا ملكًا ولا كوكبًا ولا غير بعبادة ولا رياء، وعملوا بما يرضيه وتجنبوا كل ما يسخطه وإن طال الزمان، امتثالًا لما أمر به أول السورة في قوله: {إنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه} فمن كان له أصل الاستقامة في التوحيد أمن من النار بالخلود، ومن كان له كمال الاستقامة في الأصول والفروع أمن الوعيد {تتنزل} على سبيل التدريج المتصل {عليهم} من حين نفخ الروح فيهم إلى أن يموتوا ثم إلى أن يدخلوا الجنة باطنًا فظاهرًا {الملائكة} بالتأييد في جميع ما ينوبهم فتستعلي الأحوال الملكية على صفاتهم البشرية وشهواتهم الحيوانية فتضمحل عندها، وتشرق مرائيهم، ثم شرح ما يؤيدونهم به وفسره فقال: {ألا تخافوا} أي من شي مثله يخيف، وكأنهم يثبتون ذلك في قلوبهم {ولا تحزنوا} أي على شيء فاتكم، فإن ما حصل لكم أفضل منه، فأوقاتكم الأخراوية فيها بل هي كلها روح وراحة، فلا يفوتهم لذلك محبوب ولا يلحقهم مكروه {وابشروا} أي املأوا صدوركم سرورًا يظهر أثره على بشرتكم بتهلل الوجه ونعمة سائر الجسد {بالجنة التي كنتم} أي كونًا عظيمًا على ألسنة الرسل {توعدون} أي يتجدد لكم ذلك كل حين بالكتب والرسل، وقال الرازي في اللوامع: يبشرون في ثلاثة مواضع: عند الموت، وفي القبر، ويوم البعث- انتهى.
وهذا محول على الكلام الحقيقي وما قبله على أنهم يفعلون معه ما ترجمته ذلك.
ولما أثبتوا لهم الخير، ونفوا عنهم الضير، عللوه بقولهم: {نحن أولياؤكم} أي أقرب الأقرباء إليكم، فنحن نفعل معكم كل ما يمكن أن يفعله القريب {في الحياة الدنيا} نجتلب لكم المسرات ونبعد عنكم المضرات ونحملكم على جميع الخيرات بحيث يكون لكم فيها ما تؤثره العقول بالامتناع مما تهواه النفوس وإن تراءى للرائين في الدنيا أن الأمر بخلاف ذلك، فنوقظكم من المنام، ونحملكم على الصلاة والصيام، ونبعدكم عن الآثام، ضد ما تفعله الشياطين مع أوليائهم {وفي الآخرة} كذلك حيث يتعادى الأخلاء إلا الأتقياء {ولكم فيها} أي الآخرة في الجنة وقبل دخولها في جميع أوقات الحشر {ما تشتهي} ولو على أدنى وجوه الشهوة بما يرشد إليه حذف المفعول {أنفسكم} لأجل ما منعتموها من الشهوات في الدنيا {ولكم}.
ولما كان السياق للذين استقاموا العام للسابقين وأصحاب اليمين على ما أشير إليه الختم بصفة المغفرة وتقديمها، قيد بالظرف بخلاف ما في يس فقال: {فيها} أي الآخرة {ما تدعون} أي ما تؤثرون دعاءه وطلبه وتسألونه وتمنونه بشهوة نفوسكم ورغبة قلوبكم.
ولما كان هذا كله بالنسبة إلى ما يعطون شيئًا يسيرًا، نبه عليه بقوله: {نزلًا} أي هذا كله يكون لكم كما يقدم إلى الضيف عند قدومه إلى أن يتهيأ ما يضاف به.
ولما كان من حوسب عذب، فلا يدخل أحد الجنة إلا بالرحمة، أشار إلى ذلك بقوله: {من} أي كائنًا النزل من {غفور} له صفة المحو للذنوب عينًا وأثرًا على غاية لا يمكن وصفها {رحيم} أي بالغ الرحمة بما ترضاه الإلهية، فالحاصل أن المفسد يقيض الله له قرناء السوء من الجن والإنس يزيدونه فسادًا والمصلح ييسر الله له أولياء الخير من الإنس والملائكة يعينونه ويحببونه في جميع الخيرات ويبعدونه ويكرهونه في جميع المضرات- والله يتولى الصالحين.
ولما كان هذا لمن كمل نفسه، أتبعه بمن أكمل غيره إشارة إلى أن السعادة التامة أن يكتسب الإنسان من الصفات الفاضلة مما يصير بها كاملًا في نفسه، فإذا فرغ اشتغل بتكميل الناقص عاطفًا على ما تقديره: ما أحسن هذا الذي كمل نفسه، وقاله تنويهًا بعلو قدر النفع المتعدي وحثًا على مداومة الدعاء وإن أبوا وقالوا {قلوبنا في أكنة} ثم قالوا {لا تسمعوا لهذا القرآن} فإنهم لم يقولوا من ذلك شيئًا إلا ذكرت أجوبته الشافية الكافية فاندفعت جميع الشبهات وزالت غياهب الضلالات، فصار تحذير الدعاء موضعًا للقبول {ومن أحسن قولًا} أي من جهة القول {ممن دعا} وحد الضمير دلالة على قلة هذا الصنف {إلى الله} أي الذي عم بصفات كماله جميع الخلق فهو يستعطف كل أحد بما تعرف إليه سبحانه به من صفاته {وعمل} أي والحال أنه قد عمل {صالحًا} في نفسه ليكون ذلك أمكن لدعائه أعم من أن يكون ذلك لصالح نية أو قولًا أو عملًا للجوارح الظاهرة سرًا كان أو علنًا، ولذا حذف الموصوف لئلا يوهم تقيده بالأعمال الظاهرة وللاغناء عنها بقوله دعا بخلاف ما كان سياقه للتوبة كآية الفرقان أو اعتقاد الحشر كآية الكهف، فإنه لابد فيه من إظهار العمل ليكون شاهدًا على صحة الاعتقاد وكمال التوبة، والدعاء هنا مغنٍ عن ذلك {وقال} مؤكدًا عند المخالف والمؤالف قاطعًا لطمع المفسد فيه: {إنني من المسلمين} أي الراسخين في صفة الإسلام متظاهرًا بذلك لا يخاف في الله لومة لائم وإن سماه أبناء زمانه كذا جافيًا وغليظًا عاسيًا لتصلبه في مخالفته إياهم فيما هم عليه بتسهله في انقياده لكل ما أمره به ربه سبحانه. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا} اعلم أنه تعالى لما أطنب في الوعيد أردفه بهذا الوعد الشريف، وهذا ترتيب لطيف مدار كل القرآن عليه، وقد ذكرنا مرارًا أن الكمالات على ثلاثة أقسام النفسانية والبدنية والخارجية وأشرف المراتب النفسانية وأوسطها البدنية وأدونها الخارجية، وذكرنا أن الكمالات النفسانية محصورة في نوعين العلم اليقيني والعمل الصالح، فإن أهل التحقيق قالوا كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به ورأس المعارف اليقينية ورئيسها معرفة الله وإليه الإشارة بقوله: {إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله} ورأس الأعمال الصالحة ورئيسها أن يكون الإنسان مستقيمًا في الوسط غير مائل إلى طرفي الإفراط والتفريط، كما قال: {وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] وقال أيضًا: {اهدنا الصراط المستقيم} وإليه الإشارة في هذه الآية بقوله: {ثُمَّ استقاموا} وسمعت أن القارىء قرأ في مجلس العبادي هذه الآية، فقال العبادي: والقيامة في القيامة، بقدر الاستقامة، إذا عرفت هذا فنقول: قوله تعالى: {إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا} ليس المراد منه القول باللسان فقط لأن ذلك لا يفيد الاستقامة، فلما ذكر عقيب ذلك القول الاستقامة علمنا أن ذلك القول كان مقرونًا باليقين التام والمعرفة الحقيقية، إذ عرفت هذا فنقول في الاستقامة قولان أحدهما: أن المراد منه الاستقامة في الدين والتوحيد والمعرفة الثاني: أن المراد منه الاستقامة في الأعمال الصالحة أما على القول الأول ففيه عبارات: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ثم استقاموا أي لم يتلفتوا إلى إله غيره، قال ابن عباس في بعض الروايات هذه الآية نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، وذلك أن أبا بكر رضي الله عنه وقع في أنواع شديدة من البلاء والمحنة ولم يتغير ألبتة عن دينه، فكان هو الذي قال: {رَبُّنَا الله} وبقي مستقيمًا عليه لم يتغير بسبب من الأسباب، وأقول يمكن فيه وجوه أخرى، وذلك أن من أقر بأن لهذا العالم إلهًا بقيت له مقامات أخرى فأولها: أن لا يتوغل في جانب النفي إلى حيث ينتهي إلى التعطيل، ولا يتوغل في جانب الإثبات إلى حيث ينتهي إلى التشبيه، بل يبقى على الخط المستقيم الفاصل بين التشبيه والتعطيل، وأيضًا يجب أن يبقى على الخط المستقيم الفاصل بين الجبر والقدر، وكذا في الرجاء والقنوط يجب أن يكون على الخط المتسقيم، فهذا هو المراد من قوله: {إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا} وأما على القول الثاني وهو أن نحمل الاستقامة على الإتيان بالأعمال الصالحة، فهذا قول جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين، قالوا وهذا أولى حتى يكون قوله: {إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله} متناولًا للقول والاعتقاد ويكون قوله: {ثُمَّ استقاموا} متناولًا للأعمال الصالحة.